Wednesday, August 9, 2023

المفتش

أبدأ العام الثاني مع أرواح المدينة هذا العام ، ربما حينما عرفت من الأستاذ التميمي أن الموضوع سوف يكون عن أسماعيل المفتش ، جاء في تفكيري مسرحية المفتش العام لجوجول دوما قصص الفساد والسياسة تعتبر صنوان ليس في مصر فقط أو العالم العربي بل حتى على المستوى العالمي ربما ثورة الشباب عام 1968 كانت رغبة في وجود طبقة سياسية نظيفة وأعتقد أن قليل هؤلاء أو ربما لم يولدوا بعد لا تتصور العواصم العالمية بعيدة عن ذاك الفساد فقصص العوار الديمقراطي كثيرة ايضا ورائحة جماعات المصالح في كل مكان.

علي أيه حال التاريخ يكتبه الكثيريون سواء من انتصر أو من يؤمن بحقبة ما ويعادي كل ما عداها معادلة ثورة يوليو والأسرة العلوية دهست في التاريخ، يبدو أن مصر لا تتغير كثيرا منذ أن محى تحتمس كلمات حتشبسوت من على مسلتها لكي يخفي آثار الحكم البائد هكذا مصر يغيب التراكم المعرفي وكل شيخ يأتى بطريقة جديدة ويزعم أن العمل الوطني بدأ من عنده يستنكف ان يبنى فوق اللبنات السابقة ويبقى المواطن حائرا لم يتغير الكثير منذ عهد أسماعيل وما قبله حتى الآن لدينا ايتاما لمبارك وايتام لمرسى يظنون أن مصر لم تكن تصل إلى ما هي عليه لو اخذ كل منهم زمام المبادرة فضلا عن ايتام ثورة يناير والحالمين بتغيير مسار 30 يونيو الوطن في كل مرة يحمل المزيد من الأماني الجديدة والبدايات من تحت الصفر!

رغم كل شيء فأنا اراهن على وعي المصريين هذا الوعي هو من جعلهم لا يقولون ميدان رمسيس أو من قبله ميدان فؤاد الأول الذى تحول في مترو الأنفاق بعد اختفاء الزقزوقة إلى محطة مبارك ليتحول إلى محطة الشهداء وعي المصريين يقول على هذا الميدان باب الحديد كأنهم يعرفون أن التراكم المعرفي هو من قدم بابا جديدا للقاهرة يسمى باب الحديد كناية عن القطار الذي دخل مصر كثاني دولة في العالم على ما أظن.

ترى هل بعدت بكلامي عن تلك الليلة الرائعة كالعادة مع أرواح المدينة كبداية لعام جديد بخطوات ثابتة على الطريق لا لم ابتعد قليلا فمصر المحروسة التي حلم بها أسماعيل يصنع مثلها الآن في عاصمة إدارية ومن قبل صنع رجال يوليو مدينة ناصر التي تحولت إلى مدينة نصر، عاصمتنا المجيدة التي قال عنها جمال حمدان الرأس الكاسح لجسد الوطن الكسيح تتمدد لتصبح مدينة متروبولتان سرطانية كما قلت عن ليلة بيت المعمار السابقة في قاهرة شاهين أو ليصنعوا منها قطعة من أوروبا كما قالت رضوى عاشور من قبل!

كأن محمود التميمي غاص في الأعماق ليطرح لنا التساؤلات أو يتركنا مع رسائل جديدة ، هو يحاول أن يصنع وعينا أو يهز مدراكنا بذلك الغوص في الماضي السحيق وبأرشيفه الثري لا يتبنى وجهة نظر معينة للتاريخ لديه بالطبع وجهة نظره لكن هو يقرأ الواقع بعيون صحفي وفي تلك الليلة اختار أن يقرأها بطريقة درامية مستعينا بمحفوظ عبد الرحمن وبوابة الحلواني التي تطرح شوفينية مصرية مختلفة تؤمن بأن من بني مصر حلواني بحق عبر دراما انفق عليها الكثير وشكلت وعي اجيال كاملة ربما الآن وعي الأجيال يشكل عبر مسلسلات تركية وهندية وكورية ومكسيكية ... ومن الممكن أن تكمل كما تشاء فوعي الجماهير يتم تفتيته ليتم صناعة موجة "الترند" التي تتمحور حول اللاشيء في غياب حراس البوابات الذي قال عنهم التميمي.

لا اعتقد أنني خرجت بعيدا عن الأرواح التي يحاول أن يبعثها فينا بيت المعمار المصري أو حتى لحظات الأسى التي سجلت حتى حينما احترقت الأوبرا القديمة أمام أعيننا هل يذكرك ذلك لاحقا بحريق مجلس الشورى أم يذكرك بحريق المجمع العلمي أم هو قريبا جدا بحريق وزارة الأوقاف لا اعتقد أن كل هذه المعاني غابت عن مدير تلك الندوة أو على الأقل هذا هو فهمي لها ولا اريد أن احمله ما لا طاقة له به.

دراما تلك الليلة كانت رائعة مع أسامة عباس حتى مع شخصيات التاريخ الحقيقية والدرامية قصص القصور ومحاولة الاقتراب منها سكرة السلطة التي أوقات كثيرا اجد وصف ابراهيم ناجي لفرحا بالنور والنار معا هي شبق السلطة ربما ابراهيم ناجي تكلم عنها في المحبوبة لكن هناك رجال احترقوا في التاريخ بذلك الشبق ، ودورنا أن نرى هذا التاريخ بعيون على المستقبل هل نخرج من هذه الليالي بوعي وادارك كاف لنصنع تراكم معرفي يليق بما يحمله تراثنا من مجد تليد نعامله ككنزضريح أم نظل نبكي على اللبن المسكوب ونحيا في الماضي أو حتى ندمر الماضي كما نهدم مقابرنا التاريخية.

الأرواح سوف تصل تبعث من جديد وستبقى عروسة النيل وهبته كما قال هيرودوت أو بأحلامنا هبة النيل والمصريين كما قال شفيق غربال.