Tuesday, April 4, 2017

تسعة عشر يوما(اليوم الثالث)(يوسف محمد)

  • إنَّ أحوال الحياة كما يقولون هى صعود وهبوط، وبما أنَّ حياتى على وجه الخصوص نادرة الصعود ووافرة الهبوط فقد استيقظت اليوم  وأنا أمتلك قدر لا بأس به من الهم وكأنه تعويض لى عن سعادتى بالأمس، يبدأ هجوم شياطينى علىَّ أثناء نومى  حيث دائماً ما أحلم بأشياء سيكون من التقليل من شأنها أن أطلق عليها كوابيس، فمفهومى المتواضع للكوابيس أنها أحلام تحتوى على عدة أحداث مفزعة لصاحبها وربما تكون حدث أو اثنين  فى الكابوس الواحد،  ولكن أن  تكون  كشريط  سينمائى  كامل  من الأحداث المؤلمة وأن يتم عرضها بسرعة شديدة كى أتمكن من مشاهدة الشريط بأكمله فى الحلم الواحد، وأيضاً مع الإبطاء عند عرض الأحداث الأكثر إيذاءا كى تصلنى بصورة تامة وواضحة، لينتهى الحال بى المتلقى السعيد الحظ بأن أصحو من نومى وأنا راغب بشدة أن أغادر الحياة إلى حيث لا يوجد عروض خاصة من تلك النوعية من كوابيس الكوابيس، أو على الأقل أصحو متمنياً ألّا أتمكن من النوم ثانياً.
  • بسبب الحالة المزاجية التى أتمتع بها منذ الصباح فقد أجّلت الكتابة حتى أهدأ قليلاً، ولكن كالعادة لم يحدث هذا بل على العكس ازدادت الأمور سوءا بسبب عدم محادثتك حتى الآن ، لذا فقد استجمعت قواى كى أكتب لك فربما تنقذنى صُحبتك وتخفف عنى ولو قليلاً ، لا أعرف عن ماذا أتحدث اليوم فرأسى ممتلئة الآن بالكثير من الأحداث السيئة التى مرت بى ، بل وتتلاحق أحداثها أمام عينى ، ولكننى لا أريد أن أتحدث عن أىٍ منها ،  فعندما  تحوم الشياطين حول المرء إياه  واستدعاء  إحداها  وإلا فالهلاك المحقق من نصيبه حيث سيكون قد استدعى جميع الشياطين دفعة واحدة ، فى مثل هذه الأوقات التى أعايشها الآن أكون فى أمس الحاجة إلى  من تحتضنى بكل قوتها لأسلم رأسى لصدرها وأغمض عيناى آمناً بين دفء مشاعرها ومبتعداً عن آلامى ، وأظل على هذا الحال حتى ينتهى عذابى وتهدأ روحى.
  • أرغب الآن بشدة أن أراك ، للأسف نحن لم نتقابل بعد ولا أستطيع أن ألومك إذا لم أراك اليوم ، ولكننى أرجو أن تعوضينى عن ذلك فيما بعد بألّا تبتعدى عنى أبداً بعد أن نلتقى ، وحتى هذا الحين سأكتفى غصباً عنى بمحادثتك فقط وليعيننى الله على تحمل هذا ، إنَّ أكثر ما أشفق على نفسى فيه وهو أيضاً أكثر ما ألومها عليه هو أننى مازلت وحيداً حتى الآن ، نَعَمْ الحب هبة من الله ، وأن يجد  الإنسان من يشاركه حياته هى نعمة عظيمة يهبها الله لمن يشاء ، إلا أننى مسئول وبصورة كبيرة عن تأخرها عنى حتى وقتنا هذا ، فأنا المسئول عن تدهور أحوالى وابتعادى عن العمل وعن الاستعداد للزواج ومسؤلياته المادية ، ولهذا لا أستطيع القول أننى بحثت عن شريكة حياتى ولم أجدها ، فأنا لا أستطيع أن أجزم أن التأخر حتى الآن هو بسبب قدرى فقط ، ولا أقدر أن أبرىء نفسى من تهمة إهمال هذا الأمر البالغ الأهمية وتعطيل حدوثه للآن.
  • كما يقال بأنه لا ينبغى البكاء على اللبن المسكوب ، فيجب ألّا أنظر إلى الوقت الفائت بل أهتم بالوقت المقبل وأحاول من تصحيح مسار حياتى ، وربما يكون الأفضل هو ما حدث ، فأحياناً أتخيل لو أنه كان مُقَدّر لى مثلاً أن أحيا فى بؤس لمدة خمسة عشر عاماً من حياتى فهل كنت أختار أن تكون تلك الفترة فى مقتبل حياتى أم فى نهايتها ؟ بدون تردد أختار أن تكون فى مقتبل حياتى بينما تمر سنوات الرخاء بى فى أخر العمر ، أعتقد أنه من الأفضل بكثير أن ينتقل المرء من حال سىء إلى جيد بدلاً من أن ينتقل من حال جيد إلى سىء ، إننا نتذكر دائماً الأيام الماضية ونترحم عليها ونتغنى بروعتها ، وهذا  بسبب أن أغلب الذكريات التى تتعلق  بذاكرتنا هى الذكريات الحسنة  وليست السيئة ، فذاكرة الإنسان تعينه على تخطى مصاعب الحياة بتجاهلها للسىء واحتفاظها بالذكريات السعيدة  والتى تكون بمثابة تخفيف للإنسان عمّا يمر به ،  وأمّا فى حالتى هذه فأنا مازلت أمُر بالفترة السيئة  ولذلك  للأسف  فإنَّ  الذكريات  الحزينة هى التى تصاحبنى ، ولكنى أعتقد أنه وبمجرد تبدل حالى إلى الأفضل فإنَّ تلك الذكريات والتى تؤلمنى الآن ستكون قليلة الأثر وربما تكون سبباً فى أن أظل أحمد الله على تبدل حالى إلى الأفضل.
  • حسب حالتى الإيمانية أحياناً أرى أنَّ سنوات شقائى على وشك الفناء ، وأحياناً أراها قابعة بصحبتى حتى نهاية العمر ،  وما بين الحالين يختلف كل ما فى ، فأحياناً أقرر بدء حياتى من جديد ومحاولة اللحاق بما فاتنى ،  وأوقات أخرى يصيبنى الشلل التام لأجلس  منتظراً الكارثة التالية التى  ستحل  بى ،  وكلما مر بى الزمن أجد أن الحالة الأخيرة هى من تزداد تكراراً بل وتبقى معى لفترة أطول فى كل مرة تزورنى فيها ، وللأسف فإن فترة التفاؤل النادرة المجىء لا تستمر معى إلا لبرهة بسيطة  بحيث لا يسعفنى الوقت  للتحرك  فى أى اتجاه إيجابى ،  فتمر بى فقط  للتخفيف عنى  وليس للتعديل من نفسى ، إننى لا أنكر أنَّ التخفيف من الهم الملازم لى يعتبر هدف فى حد ذاته ،  ولكننى أطمع فى أن أطيل فترات التفاؤل كى أتمكن من تعديل عيوبى  والتى تزداد بمرور الوقت ، وهنا يبرز دور مساعدة الآخر والذى أتمنى أن يكون أنت.
  • فبما أننى أحمل معى الجانبين المضىء والمظلم ، وبما أن جانبى المظلم يزداد اتساعاً على حساب الجانب المضىء ، فقد آمنت بأننى فى أمس الحاجة لشخص يضىء لى حياتى ، بالنسبة للأشخاص الآخرين يمكن لهذا الشخص أن يكون الأب أو الصديق ، أما بالنسبة لى  فإننى على  يقين بأنَّ هذا الشخص يجب أن يكون حبيبتى ،  فالجانب المضىء الذى أحتاج إليه ليس مدح فى شخصى أو تشجيع لى بالقول ، فأنا لا أحتاج لشخص  يخبرنى بأننى أتمتع  بصفات حسنة  كذا وكذا ،  بل أحتاج إلى من أرى فى عينيها أننى إنسان حسن الصفات ، لا أحتاج لشخص يناقشنى ليعزز من ثقتى بنفسى ، بل أحتاج لمن تثق بى وبكل ما فى ، لا أحتاج إلى من يربت على كتفى ،  بل أحتاج إلى من تحتضنى ، ولا أحتاج إلى من يمد يده ليساعدنى فى النهوض ، بل أحتاج إلى من تهم بالنهوض فأجد نفسى قد انتفضت لأحملها بيداى ، لا أحتاج لمن يساندنى لفترة ما وينصرف لحاله ، بل أحتاج لمن تساندنى طوال الوقت ولا تتركنى أبداً ما حييت ، أحتاج إلى من أجد نفسى معها لا أرغب فى أى شىء سوى أن أقدم لها كل ما تحتاج.
  • يوسف محمد

Monday, April 3, 2017

another way to play chess!


تسعة عشر يوما (اليوم الثانى)(يوسف محمد)

  • لقد قمت اليوم بزيارة أحد أصدقائى ومكثت معه طوال اليوم ، وأكتب إليك الآن بعد أن عدت إلى المنزل حوالى الساعة الحادية عشرة مساءا ، عندما أقابل صديقى هذا فدائماً ما أجد السعادة ،  وطوال فترة صداقتنا ولمدة  تتجاوز الستة عشر عاماً  منذ سنوات الجامعة  الأولى  لم  نفترق إلا وكانت الابتسامة على  وجهى ،  إنَّ تطابق الطباع أو تقاربها لحد كبير عنصر هام فى تواصل الأصدقاء معاً بصورة جيدة ، وهذا هو حالى مع أصدقائى ، ولكن هذا الصديق على وجه الخصوص يتميز بأنه تجمعنا سوياً هواية مشتركة وهى فنون القتال بأنواعها.
    إننى شديد الولع بفنون القتال منذ صغرى وقد احتلت جانب كبير من اهتمامى وتفكيرى حتى أنها كانت فى فترات طويلة من حياتى هى الهدف والمراد ،  وفى  مراحل  من حياتى كنت أحلم أن أسافر إلى الصين لأدرس تلك الفنون عن قرب ولسنوات طويلة ، وفى فترة مراهقتى لم أكن أبحث عن حب لفتاة أو اهتمام بالجنس الآخر بل كانت فنون القتال هى شغلى الشاغل ، وأحياناً كثيرة تضرعت إلى الله أن يجعلنى أحد الأساتذة فى تلك الفنون ،  فلم تكن  رغبتى  تقف عند اتقانى لأداء  بعض الفنيات  بل  كنت أريد الاستغراق الكامل فى هذا العالم الساحر ، واستمر اهتمامى يتزايد بمرور الوقت حتى أنه كان ينازع رغبتى بأن أصبح مهندس ، ولولا أنه لم تكن هناك دراسة خاصة بهذه الفنون لكنت بلا شك متخصصاً بها.
    طوال حياتى تعرفت على هواة كثيرين لتلك الرياضات ولكنى لم أصادف أحد يحب تلك الفنون مثلى حتى  قابلت صديقى هذا ،  كان أول إنسان أقابله  يحمل نفس درجة شغفى بتلك الفنون ،  وهنا كانت  بداية صداقتنا فقد  كنا فى نفس الكلية ولكننا كنا فى تخصصين وسنتين مختلفتين ، لكن لولعنا الشديد بنفس الشىء كنا نلتقى يومياً لمناقشة أى وكل شىء يختص بفنون القتال ،  ووضح  من لقائاتنا الأولى تقارب الطباع مما عجّل بأن نصبح أصدقاء ، ومنذ ذلك الوقت ولقائنا يشمل مناقشة ولو بسيطة لموضوع أو أكثر خاص  بفنون  القتال  إلى  جانب الموضوعات المعتادة  التى  يتحدث  عنها الأصدقاء مثل الأمور الحياتية من دراسة وعمل ودين وانطباعات شخصية وأفكار قد تطرأ على أحدنا ، ولكن يظل الجزء الخاص بفنون القتال هو الجزء الأكثر تميزاً فى حديثنا حيث أشعر بأننى مسافر فى عالم خيالى أحبه بشدة.
    ربما شعورى بالسعادة والذى يظل ملازمنى لفترة بعد ترك صديقى يكون بسبب تلك الرحلة التى أقوم بها لهذا العالم الذى أفتقده ، ربما إشباعى لحنينى لتلك الرياضة التى حرمت منها نفسى  منذ  فترة طويلة يكون هو السبب ،  فأثناء  بحثى عن النجاح فى العمل وبناء مستقبلى تناسيت أشياء  كثيرة كانت قريبة من قلبى  وكانت تكفى لمنحى السعادة لفترات طويلة ، وربما يكون هذا عامل من العوامل التى أوصلتنى لما أنا فيه الآن ، فقد تركت أشياء أحبها من أجل أشياء لم أتمكن من الحصول عليها ، وأحياناً كثيرة أفكر فى العودة  لممارسة  تلك الرياضة التى أعشقها ،  ولكن لا يستمر تدربى ليومين أو ثلاثة لأجدنى بعد ذلك وأنا أسخر من نفسى حيث كيف أننى عاطل وأريد أن ألعب !؟ ورغم أن وزنى قد ازداد بصورة كبيرة وأصبحت الرياضة ضرورة وليست رفاهية ، إلا أنَّ دورة الكآبة التى تحاصرنى لا تمكنى من المواظبة على عمل أى شىء سواء كان تحسين مهارة خاصة للعمل أو حتى ممارسة الرياضة من أجل الحفاظ على الصحة العامة.
    عندما سافرت منذ خمسة سنوات إلى إحدى الدول العربية للبحث عن عمل ، وأثناء مكوثى هناك  لمدة  شهرين عدت  بعدها خالى الوفاض أثناء  تلك الفترة وجدت أننى بسهولة مطلقة تمكنت من اتباع نظام غذائى ومارست الرياضة يومياً حتى أننى فقدت فى هذين الشهرين خمسة عشر كيلو جرام من وزنى الزائد ، ورغم أننى كنت فى حالة غير مستقرة حيث لم أجد عمل إلا إننى عدت إلى مصر وأنا غير حزين بل وكلى آمال ، عدت وأنا مقتنع بأنه لم يكن مقدر لى العمل هناك وأنه قد اقترب موعدى مع النجاح هنا فى مصر.
    وقتها كنت أظن أن روحى الإيجابية آنذاك كانت بسبب الإيمان ، ولكن لماذا انصرف عنى الإيمان هنا !؟ بعدها بفترة أدركت أن تغيير المكان وتغيير العادات السيئة مثل عدم انتظام النوم والإفراط فى الطعام وأيضاً عدم ممارسة الرياضة كانوا هم السبب الرئيسى  فى حالتى النفسية الإيجابية وقتها  وليس الإيمان ،  ولكن  للأسف الشديد لم أستطع حتى الآن أن أتخلص من تلك العادات السيئة ، وقد ساعد فى ذلك العديد من الأحداث المؤلمة التى مرت بى منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا ، حيث كنت أستجمع جزء منى بعد فترة من حدوث واقعة ما وإذ بى أتلقى واقعة أخرى ، وأصبح الفارق يزداد  بين ما يتهدم  بداخلى  وبين ما أستطيع  ترميمه حتى  وصلت إلى حالى هذا ، فأصبحت منهار تماماً ولا أقدر على ترميم ولو جزء بسيط.
    أستميحك عذراً أننى  لن أتطرق اليوم  إلى أى من هذه الأحداث ،  فأنا أريد أن أكمل يومى هذا وأنا محتفظ بشعورى بالسعادة والذى أفتقده غالباً ،  أتمنى من كل قلبى أن نلتقى قريباً لننسى معاً كل سىء مر بنا ، ولنتذكر فقط أحلى ما فى حياتنا ، أتمنى أن تكون حياتنا مثل عقد من زهور الفل حيث تصل الأيام بين الأحداث السعيدة كما يصل الخيط بين زهرات الفل ،  وياليتك  ترتدين هذا العقد لتزينيه  بجمالك وتُزيديه إشراقاً بنور وجهك وتضيفى إلى عطره من عبيرك ، إننى لا أريد أن أنهى حديثنا ولكنى لا أستطيع الإكمال فإن شوقى للقائك يزداد مع كل حرف أسطره ، أتمنى أن تبتعد عنك الذكريات السيئة ولتسكن عقلك وروحك الذكريات السعيدة فقط ، وذلك إلى أن نبدأ نسج ذكرياتنا الجميلة معاً والتى ستبقى معنا إن شاء الله طوال العمر.
     يوسف محمد

Sunday, April 2, 2017

How I play chess?


تسعة عشر يوما (اليوم الأول)(يوسف محمد)

  • لا أدرى كيف أبدأ كتابة هذا الموضوع ؟ ، فهى فكرة طرأت على ذهنى منذ حوالى ساعة فقط ، ولكنى أعتقد أننى سأتعامل مع هذه السطور كما أحب أن أتعامل دائماً مع الناس أى بصراحة تامة ، لذا فالمحرك الرئيسى لطريقة سردى سيكون إظهار كل ما أستطيع روايته من الجوانب الخاصة بهذا الموضوع.
    تتلخص الفكرة فى أننى أحاول أن أتجاوز التسعة عشر يوماً التالية من حياتى بصحبة أحد غيرى ، وبما أننى آمل أن أجد فى نهاية تلك اﻷيام الشخص الذى سيشاركنى بقية حياتى لذا فقد قررت أن أوجه إليه هذا الخطاب ليشاركنى تلك اﻷيام من قبل أن ألقاه.
    أرجو أن أكون قد وجدت هذا الشخص وأن يكون هو القارىء لهذه السطور اﻵن ، وعلى كل حال لن أستبق اﻷحداث وسأنتظر لنهاية تلك اﻷيام والتى أعتقد أنها ستكون اﻷطول على مدى حياتى.
    أنا شخص يمكنك أن تعتبريه متوقف عن الحياة منذ فترة ليست بالقصيرة، نعم تعمل وظائف جسمى مثل اﻷحياء تماماً، ولكنى لا أعتبر نفسى منهم ، فإذا كان هناك إنسان لا يعمل،  ولا يستطيع إعالة نفسه، لا يستطيع أن  يساعد أهله  فى أى شىء، ولا يستطيع الاندماج مع المجتمع الذى ينتمى إليه، لا يدرك ما هو اليوم أو الشهر أو حتى السنة التى تمر به، ولا يعرف ماذا يحدث من حوله سواء فى العالم أو حتى فى بلده، شخص  يتشابه عنده الليل والنهار فينام  ويصحو فى كلاهما، وتتشابه عنده اﻷفراح واﻷحزان فيبكى كلما صادفه أياً منهم، شخص يتقدم به العمر بينما يظل هو فى مكانه بل ويتراجع كل يوم ليبتعد عن الناس أكثر فأكثر، شخص بلغ عامه السادس والثلاثين ولم يجد حتى اﻵن من تحبه ويحبها.
    ربما تتوقفى عن القراءة اﻵن وتلقى بتلك اﻷوراق بعيداً لتتخلصى من  هذا الشخص وعقده، بل ربما يكون الخوف  قد تملكك  وراودتك عدة أفكار عما قد يفعله  بك هذا المعتوه، لا أستطيع أن ألومك إذا اعتقدتى أننى مختل عقلى أو نفسى، ولكن لأطمئنك فإننى أوكد  لك أننى لا أستطيع إيذاء أحد حتى وإن أردت ذلك، فالابتعاد عن الحياة بكل ما فيها من خير وشر وأيضاً عدم الاحتكاك بالناس مطلقاً جعلا منى شخص غير قادر على التحرك فى أى اتجاه سواء كان هذا الاتجاه سلبى أو إيجابى فأنا لا أستطيع مهاجمة أحد أو حتى الدفاع عن  نفسى  ضده ، إنَّ  الهروب من المواجهة هو الشىء الوحيد الذى أقوى على القيام به الآن.
    أتمنى أن تكونى قد تجاوزتى مخاوفك واتسع صدرك لإكمال هذه اﻷسطر التى ربما لن أكتب بعدها أى شىء، فأنا أضع كل آمالى على تفهمك لحالتى وقبولك لشخصى لنبدأ معاً مرحلة جديدة فى حياة كلٍ منا ، أتمنى أن نبدأ قصة حب لا تنتهى حتى بفناء الكون بأسره ، أتمنى أن أعود للحياة بك ومعك ، وأن أستطيع بمساعدتك أن أبرأ مما حل بى ﻷحيا فقط لإسعادك.
    سوف أحاول فى كل يوم من اﻷيام التسعة عشر أن أجمع بين ذكر جزء من اﻷحداث التى مرَّت بى فى الماضى حتى أصبحت على هذا الحال وبين المشاعر التى تعترينى فى  هذا اليوم،  وأتمنى أنه  وبانتهائك من  قراءة  هذه اليوميات  تكونى  قد ألممتى بشخصيتى وظروفى، آمل أن تمنحنى الحياة فرصة العمر وتقبلينى شريكاً لحياتك.
    قبل أن  أشرع  فى  سرد أحداث  حياتى  ومشاعرى أود أن أشرح  لماذا  كتابة هذه الأسطر؟ ولماذا اﻵن ؟ باﻷمس كنت فى زيارة ﻷحد أصدقائى فى محاولة منى للهروب من الوحدة  ووحشيتها، أثناء  تجاذبنا  أطراف  الحديث أخبرنى  بأن هناك عروض سينمائية عامة لعدة أفلام هندية فى المركز الثقافى الهندى تبدأ من غد، وأحضر لى الجريدة ﻷقرأ تفاصيل الخبر، وجدت من ضمن اﻷفلام المعلن عنها فيلم سينمائى كان هو الشاغل الوحيد لى فى اﻷيام الماضية، فأنا من عاشقى السينما ودائماً ما كانت هى وسيلة انتقالى من الواقع بقسوته إلى الخيال بنعومته وسحره ،  ومع  تقدمى فى العمر وافتقادى الشديد للحب أصبحت اﻷفلام الرومانسية هى النوع المفضل لى من اﻷفلام، ومنذ حوالى شهر وأثناء تجولى بين القنوات الفضائية وجدت فلم جذبنى لمتابعته ولكن للأسف  كان  قد اقترب من الانتهاء، استمتعت  بشدة  بالجزء الذى  تابعته  من الفيلم فحاولت بعدها البحث عنه ﻷشاهده كاملاً، وبعد عناء تمكنت من الحصول على نسخة من الفيلم على الكمبيوتر، وكانت المفاجأة .. كأن الفيلم قد صنع خصيصاً لى فالمفاهيم والمشاعر التى يتناولها كانت أنا.
    كنت أعتقد بل اقتربت من اليقين بأن مفهومى للرومانسية خيالى للغاية، وأننى لن أجد أبداً من تشاركنى  مشاعرى  بنفس القوة أو تشاركنى أفكارى ومعتقداتى بنفس تخيلى للأمور حيث أن رومانسيتى تجمع الكثير من التناقضات .. فأنا أؤمن بالحب من أول نظرة  ولكنى أود أن تكون من خلال تعارف  رسمى  للزواج،  وأؤمن  بأن حبيبتى ستكون حياتى بأكملها ولكننى أؤمن بإرجاء التعبيرعن المشاعر إلى ما بعد الزفاف ، أؤمن بأننى وحبيبتى  ومن أول لقاء سوف يدرك كلٌ منا كل شىء عن اﻵخر بالقلب فقط وبدون حتى كلمة أو نظرة، وأننى سأعلم ما لا تعلمه عن نفسها وتعلم هى عنى ما لا أعلمه، وأؤمن أيضاً بعدم  تخطى الحدود الشرعية  للخِطبة رغم تأجج مشاعرنا، والعديد من اﻷفكار التى تتعارض مع الكثير من المفاهيم الشائعة عن الرومانسية، وإذ بى أجد أن فيلم سينمائى صنع فى أقصى الشرق قد انطبقت أفكاره مع أفكارى، بل إنَّ مشاهده كانت تصف وبدقة مشاعرى وتخيلى لكل موقف أو همسة أو حتى نظرة قد تحدث بينى وبين محبوبتى بعد لقائنا.
    لن أطل عليك بذكر تفاصيل ما حدث لى أثناء  مشاهدتى  للفيلم،  ولكن ما إن أتممت مشاهدته إلا ووجدت أننى بدأت أرغب فى العودة للحياة من جديد، فها هى مشاعرى وأفكارى لم تكن خيالية بل ومتواجدة أيضاً فى بلاد أخرى، إذاً فهناك أمل ﻷحيا من أجله، ولكن فترة الصدأ التى مررت بها كانت طويلة بقدر لا يسمح لى بأن أتمكن من النهوض فى الحال ومتابعة  حياتى،  لذا اكتفيت فى اﻷربعة أيام التالية بمشاهدة الفيلم مراراً وتكراراً والتنقل بين مشاهده حيث كنت أشعر بالحياة تنبض فى كل جسدى من جديد، وبنهاية اليوم الرابع وجدت الكآبة والإحباط قد جثوا على روحى كما كانا من قبل، ووجدتنى أبكى على أحلامى التى لن تتحقق أبداً.
    وللهروب من حالة الحزن والأسى على مستقبل لن يتحقق لجأت لزيارة صديقى والذى زف  لى خبر عرض الفلم  فوجدت  نفسى تحت تأثير فكرة غريبة ..  لماذا لا أذهب لمشاهدة الفلم فى هذا العرض العام وربما أجد هناك من تتأثر بالفلم مثلما تأثرت ، ربما أقابل  فى  قاعة العرض  نصفى التائه عنى  والذى أنا تائه تماماً بدونه ،  فربما حان الوقت ﻷعود للحياة بكاملها ليس هذا فقط بل ومكتمل الروح أيضاً ، وعدت إلى المنزل وأنا أحلم باللقاء الذى يفصلنى عنه عشرون يوماً، ولكنى استيقظت اليوم لأجدنى على سابق عهدى من الإحباط، وقبل أن أستسلم تماماً إلى جيش المشاعر السلبية راودتنى فكرة الكتابة تلك ،  لقد طرأ لى أن أقص للحبيبة المنتظر مقابلتها  كل ما يعترينى من مشاعر وأحداث ألمَّت بى  فى الماضى،  قررت أن أستعين بها فى مواجهة  أحزانى حتى قبل أن أراها أو ترانى ،  وأن أجعلها  تطرد وحدتى خلال اﻷيام  التسعة عشر القادمة وذلك قبل أن تقضى عليها للأبد فيما بعد.
    أنا مهندس ميكانيكا  ولكننى  لم  أعمل  بتخصصى  فبعد التخرج  كنت آمل أن أنتقى بالضبط التخصص الذى سأعمل به ،  كنت أريد العمل كمهندس تخطيط  حيث يكون العمل فنى بحت وبه حد ضئيل فى التعامل مع العمالة ، فأنا كنت أعرف أننى لا أجيد إدارة الناس  وخاصةً الذين يتكاسلوا ويسوقوا العلل لإرجاء أو عدم تنفيذ ما يطلب منهم ، فبينما أنا أخجل من كشف كذب مثل هؤلاء الناس لكنهم - ولا أعلم كيف - لا يخجلوا من أفعالهم ، وللأسف نسبة هؤلاء الأشخاص تتزايد بصورة متطاردة وأعتقد أنها من الأسباب الرئيسية التى تجعل بلادنا على حالتها الحالية ، فى تصورى أن المرء ينفذ ما يطلب منه كما ينبغى ودون متابعة من أحد ويكون ضميره هو المحكِّم فيما يفعل بينما التسلسل الرقابى والمراجعة مهمتهم تنحصر فى اكتشاف الأخطاء الغير مقصودة والتى لا يخلو منها البشر ، أيضاً كنت أثق فى قدرتى الذهنية على تخطيط أنظمة تسَّهل من سير العمل وزيادة الإنتاج ، لذا كان اختيارى الأول لمجال عملى هو تخطيط الإنتاج ، وبما أننى أكبر إخوتى فإن خبرتى العملية كانت منعدمة فكنت أعتقد حينها أننى سأنتقى الوظيفة كما أنتقى الملابس ،  ولكن بالطبع لم يكن هذا هو الحال  فظللت  لعدة أشهر بدون عمل  حتى تقدمت إلى إحدى الوظائف وكانت مهندس تصميم  بإحدى شركات قطاع اﻷعمال آنذاك حيث وجدت أنها أقرب ما يكون من الوظيفة التى أصبو إليها ، وبعد عدة أشهر من الاختبارات والإجراءات الروتينية التحقت  بالعمل بالشركة ولكن كمبرمج كمبيوتر! ، فبعد أن اكتفت الشركة بعدد من المتقدمين للعمل كمهندسى تصميم قامت بترشيح عدد آخر للعمل بالحاسب الآلى والذى كان فى حاجة إلى دماء جديدة منذ فترة ، ورغم أننا جميعاً كنا مهندسى ميكانيكا إلا أنَّ  إدارة الحاسب الآلى  رأت أنها ستقوم بتدريب المقبولين على ما تريده منهم وذلك لتفادى انتظار إعلان آخر حيث أن الشركة تستغرق وقت طويل للإعلان لطلب عمالة وإجراء الاختبارات وما إلى ذلك ، وكنت وقتها قد اقتربت من إكمال عام كامل بعد التخرج ولم أعمل بعد وكانت مشاكلى مع والدى - رحمَّه الله – قد كثرت فأردت الالتحاق بأى عمل مهما كان ،  ولم تكن الوظيفة كمبرمج كمبيوتر سيئة بالنسبة  لى بل على العكس  فأنا أهوى الكمبيوتر منذ صغرى وكانت لى محاولات برمجة متواضعة منذ سن الثالثة عشر.
    يومها أحسست بالتفاؤل فها هو مجال أحبه  قد فتح أبوابه أمامى فى ظروف غريبة ، وببدء العمل بدأت قصتى مع غرابة الناس فى تعاملاتهم  فهم أحباء فى العلن وأعداء فى الخفاء ، بالطبع لم يكن الجميع كذلك ولكن للأسف كانت الأغلبية كذلك ، وبدرجات متفاوتة من الكره والمكر وأساليب التلاعب فى القول والفعل  كان تعامل الأغلبية فى العمل ، ووجدتنى منزوى عن الجميع فأنا بطبعى انطوائى ولكن مع كل هذا الكم من عدم الصراحة وجدتنى أجلس مكانى طوال ساعات العمل ولا أبرحه إلا لأداء صلاة الظهر ، أيضاً ساعد خجلى فى ألّا أتواصل مع زملائى حتى بالكلام ، وهنا كانت نقطة ضعفى والتى أعتقد أنها مهّدت لما حدث بعد ذلك ، فأنا بالنسبة للأغلبية كنت المهندس المجتهد والمطيع والذى لا يعرف إلا عمله ،  وأيضاً أنا الموظف  ضعيف الشخصية والذى لا يقدر على  رد طلب أى أحد والطيب  لدرجة السذاجة  ولا يدرك حتى كيف تدار الأمور من حوله ،  وللأسف أنا لم أكن الشخص الذى تخيلوه  فأنا أدرك كل ما يحدث حولى ولكنى لا أتدخل ،  وأنا أيضاً أتقبل بعض الأشياء التى تطلب منى  وأنا مستاء ولكنى لا أظهر ذلك ، ومع مرور الوقت كانت الضغوط تزداد وأنا أتحملها ولا أتذمر ولكننى كنت أعانى ، وكى لا أطيل عليك فقد وصلت إلى نقطة عدم الرجوع كما يقولون وتركت العمل بعد أكثر من عامين ، تركت العمل بعد أن قررت أننى لا أصلح أبداً  للوظيفة بصورتها المعهودة ،  وكانت أحلام العمل بالمراسلة تراودنى حينها فقد كنت اتجهت منذ فترة إلى تعلم برامج التصميم ثلاثى الأبعاد وبدأت مراسلة الشركات بالخارج ، فتركت الوظيفة بمشاكلها على أمل العمل من بُعد حيث يكون مجهودى فى العمل فقط وليس فى المشاكل الجانبية التى يمتلىء بها محيط العمل التقليدى.
    ومر الوقت ولم أتمكن من تحقيق ما تمنيته لأبدأ بعدها البحث عن وظيفة مرة أخرى ، كنت أبحث عن عمل وأنا لا أرغب فعلياً فى أن اُقبل ، فتارة أبحث عن عمل كمهندس وأرفض أن أبدأ كمهندس حديث التخرج  رغم أننى بالفعل لا أمتلك الخبرة العملية ، وتارة أبحث عن العمل كمبرمج ولكننى ذا خبرة فى أحد الأنظمة القديمة والتى لم يعد يستخدمها أحد ، وتارة أخرى أبحث عن العمل كمصمم رسومات ثلاثية الأبعاد والتى كانت قد استحوذت على اهتمامى بالكامل ولكننى لم أكن قد اكتسبت خبرة عملية بها ، واستمر هذا الحال لفترة حتى أصبحت أتقدم للعمل فقط فى النوع الأخير من الوظائف وظللت أحاول  تحسين أدائى  فى البرامج المختصة بهذا المجال ،  ولكنى أيضاً ومع مرور الوقت  أخذت  فى التباطؤ  فى التقدم  للوظائف المعلن عنها ،  ومرت  سنتان ونصف على هذا الحال حتى نفذت كل مدخراتى فاضطررت لقبول أى شىء وبالفعل وجدت وظيفة بسيطة فى إحدى الشركات الخاصة والتحقت للعمل بها.

Saturday, April 1, 2017

Baccara - Eins plus Eins ist Eins (1 + 1 = 1)


تسعة عشر يوماً (ملخص)(يوسف محمد)




              من أعماق حالة اليأس من كل شىء ينبع الأمل فى الحياة من
              جديد .. حيث يؤمن أنه سيجد محبوبته بعد تسعة عشر يوما ،
              وفى انتظار اللقاء يبدأ فى كتابة خطابات يومية يروى فيها كل
              شىء عن ماضيه وحاضره ويشرح أفكاره ومعتقداته بل ويعبر
              أيضاً عن مشاعره تجاهها حيث يصف حبه الجارف لها والذى
              ولد من قبل أن يراها أو تراه وذلك من خلال أسلوب يمزج ما
              بين اليوميات ورسائل الغرام.
 يوسف محمد