Sunday, April 2, 2017

تسعة عشر يوما (اليوم الأول)(يوسف محمد)

  • لا أدرى كيف أبدأ كتابة هذا الموضوع ؟ ، فهى فكرة طرأت على ذهنى منذ حوالى ساعة فقط ، ولكنى أعتقد أننى سأتعامل مع هذه السطور كما أحب أن أتعامل دائماً مع الناس أى بصراحة تامة ، لذا فالمحرك الرئيسى لطريقة سردى سيكون إظهار كل ما أستطيع روايته من الجوانب الخاصة بهذا الموضوع.
    تتلخص الفكرة فى أننى أحاول أن أتجاوز التسعة عشر يوماً التالية من حياتى بصحبة أحد غيرى ، وبما أننى آمل أن أجد فى نهاية تلك اﻷيام الشخص الذى سيشاركنى بقية حياتى لذا فقد قررت أن أوجه إليه هذا الخطاب ليشاركنى تلك اﻷيام من قبل أن ألقاه.
    أرجو أن أكون قد وجدت هذا الشخص وأن يكون هو القارىء لهذه السطور اﻵن ، وعلى كل حال لن أستبق اﻷحداث وسأنتظر لنهاية تلك اﻷيام والتى أعتقد أنها ستكون اﻷطول على مدى حياتى.
    أنا شخص يمكنك أن تعتبريه متوقف عن الحياة منذ فترة ليست بالقصيرة، نعم تعمل وظائف جسمى مثل اﻷحياء تماماً، ولكنى لا أعتبر نفسى منهم ، فإذا كان هناك إنسان لا يعمل،  ولا يستطيع إعالة نفسه، لا يستطيع أن  يساعد أهله  فى أى شىء، ولا يستطيع الاندماج مع المجتمع الذى ينتمى إليه، لا يدرك ما هو اليوم أو الشهر أو حتى السنة التى تمر به، ولا يعرف ماذا يحدث من حوله سواء فى العالم أو حتى فى بلده، شخص  يتشابه عنده الليل والنهار فينام  ويصحو فى كلاهما، وتتشابه عنده اﻷفراح واﻷحزان فيبكى كلما صادفه أياً منهم، شخص يتقدم به العمر بينما يظل هو فى مكانه بل ويتراجع كل يوم ليبتعد عن الناس أكثر فأكثر، شخص بلغ عامه السادس والثلاثين ولم يجد حتى اﻵن من تحبه ويحبها.
    ربما تتوقفى عن القراءة اﻵن وتلقى بتلك اﻷوراق بعيداً لتتخلصى من  هذا الشخص وعقده، بل ربما يكون الخوف  قد تملكك  وراودتك عدة أفكار عما قد يفعله  بك هذا المعتوه، لا أستطيع أن ألومك إذا اعتقدتى أننى مختل عقلى أو نفسى، ولكن لأطمئنك فإننى أوكد  لك أننى لا أستطيع إيذاء أحد حتى وإن أردت ذلك، فالابتعاد عن الحياة بكل ما فيها من خير وشر وأيضاً عدم الاحتكاك بالناس مطلقاً جعلا منى شخص غير قادر على التحرك فى أى اتجاه سواء كان هذا الاتجاه سلبى أو إيجابى فأنا لا أستطيع مهاجمة أحد أو حتى الدفاع عن  نفسى  ضده ، إنَّ  الهروب من المواجهة هو الشىء الوحيد الذى أقوى على القيام به الآن.
    أتمنى أن تكونى قد تجاوزتى مخاوفك واتسع صدرك لإكمال هذه اﻷسطر التى ربما لن أكتب بعدها أى شىء، فأنا أضع كل آمالى على تفهمك لحالتى وقبولك لشخصى لنبدأ معاً مرحلة جديدة فى حياة كلٍ منا ، أتمنى أن نبدأ قصة حب لا تنتهى حتى بفناء الكون بأسره ، أتمنى أن أعود للحياة بك ومعك ، وأن أستطيع بمساعدتك أن أبرأ مما حل بى ﻷحيا فقط لإسعادك.
    سوف أحاول فى كل يوم من اﻷيام التسعة عشر أن أجمع بين ذكر جزء من اﻷحداث التى مرَّت بى فى الماضى حتى أصبحت على هذا الحال وبين المشاعر التى تعترينى فى  هذا اليوم،  وأتمنى أنه  وبانتهائك من  قراءة  هذه اليوميات  تكونى  قد ألممتى بشخصيتى وظروفى، آمل أن تمنحنى الحياة فرصة العمر وتقبلينى شريكاً لحياتك.
    قبل أن  أشرع  فى  سرد أحداث  حياتى  ومشاعرى أود أن أشرح  لماذا  كتابة هذه الأسطر؟ ولماذا اﻵن ؟ باﻷمس كنت فى زيارة ﻷحد أصدقائى فى محاولة منى للهروب من الوحدة  ووحشيتها، أثناء  تجاذبنا  أطراف  الحديث أخبرنى  بأن هناك عروض سينمائية عامة لعدة أفلام هندية فى المركز الثقافى الهندى تبدأ من غد، وأحضر لى الجريدة ﻷقرأ تفاصيل الخبر، وجدت من ضمن اﻷفلام المعلن عنها فيلم سينمائى كان هو الشاغل الوحيد لى فى اﻷيام الماضية، فأنا من عاشقى السينما ودائماً ما كانت هى وسيلة انتقالى من الواقع بقسوته إلى الخيال بنعومته وسحره ،  ومع  تقدمى فى العمر وافتقادى الشديد للحب أصبحت اﻷفلام الرومانسية هى النوع المفضل لى من اﻷفلام، ومنذ حوالى شهر وأثناء تجولى بين القنوات الفضائية وجدت فلم جذبنى لمتابعته ولكن للأسف  كان  قد اقترب من الانتهاء، استمتعت  بشدة  بالجزء الذى  تابعته  من الفيلم فحاولت بعدها البحث عنه ﻷشاهده كاملاً، وبعد عناء تمكنت من الحصول على نسخة من الفيلم على الكمبيوتر، وكانت المفاجأة .. كأن الفيلم قد صنع خصيصاً لى فالمفاهيم والمشاعر التى يتناولها كانت أنا.
    كنت أعتقد بل اقتربت من اليقين بأن مفهومى للرومانسية خيالى للغاية، وأننى لن أجد أبداً من تشاركنى  مشاعرى  بنفس القوة أو تشاركنى أفكارى ومعتقداتى بنفس تخيلى للأمور حيث أن رومانسيتى تجمع الكثير من التناقضات .. فأنا أؤمن بالحب من أول نظرة  ولكنى أود أن تكون من خلال تعارف  رسمى  للزواج،  وأؤمن  بأن حبيبتى ستكون حياتى بأكملها ولكننى أؤمن بإرجاء التعبيرعن المشاعر إلى ما بعد الزفاف ، أؤمن بأننى وحبيبتى  ومن أول لقاء سوف يدرك كلٌ منا كل شىء عن اﻵخر بالقلب فقط وبدون حتى كلمة أو نظرة، وأننى سأعلم ما لا تعلمه عن نفسها وتعلم هى عنى ما لا أعلمه، وأؤمن أيضاً بعدم  تخطى الحدود الشرعية  للخِطبة رغم تأجج مشاعرنا، والعديد من اﻷفكار التى تتعارض مع الكثير من المفاهيم الشائعة عن الرومانسية، وإذ بى أجد أن فيلم سينمائى صنع فى أقصى الشرق قد انطبقت أفكاره مع أفكارى، بل إنَّ مشاهده كانت تصف وبدقة مشاعرى وتخيلى لكل موقف أو همسة أو حتى نظرة قد تحدث بينى وبين محبوبتى بعد لقائنا.
    لن أطل عليك بذكر تفاصيل ما حدث لى أثناء  مشاهدتى  للفيلم،  ولكن ما إن أتممت مشاهدته إلا ووجدت أننى بدأت أرغب فى العودة للحياة من جديد، فها هى مشاعرى وأفكارى لم تكن خيالية بل ومتواجدة أيضاً فى بلاد أخرى، إذاً فهناك أمل ﻷحيا من أجله، ولكن فترة الصدأ التى مررت بها كانت طويلة بقدر لا يسمح لى بأن أتمكن من النهوض فى الحال ومتابعة  حياتى،  لذا اكتفيت فى اﻷربعة أيام التالية بمشاهدة الفيلم مراراً وتكراراً والتنقل بين مشاهده حيث كنت أشعر بالحياة تنبض فى كل جسدى من جديد، وبنهاية اليوم الرابع وجدت الكآبة والإحباط قد جثوا على روحى كما كانا من قبل، ووجدتنى أبكى على أحلامى التى لن تتحقق أبداً.
    وللهروب من حالة الحزن والأسى على مستقبل لن يتحقق لجأت لزيارة صديقى والذى زف  لى خبر عرض الفلم  فوجدت  نفسى تحت تأثير فكرة غريبة ..  لماذا لا أذهب لمشاهدة الفلم فى هذا العرض العام وربما أجد هناك من تتأثر بالفلم مثلما تأثرت ، ربما أقابل  فى  قاعة العرض  نصفى التائه عنى  والذى أنا تائه تماماً بدونه ،  فربما حان الوقت ﻷعود للحياة بكاملها ليس هذا فقط بل ومكتمل الروح أيضاً ، وعدت إلى المنزل وأنا أحلم باللقاء الذى يفصلنى عنه عشرون يوماً، ولكنى استيقظت اليوم لأجدنى على سابق عهدى من الإحباط، وقبل أن أستسلم تماماً إلى جيش المشاعر السلبية راودتنى فكرة الكتابة تلك ،  لقد طرأ لى أن أقص للحبيبة المنتظر مقابلتها  كل ما يعترينى من مشاعر وأحداث ألمَّت بى  فى الماضى،  قررت أن أستعين بها فى مواجهة  أحزانى حتى قبل أن أراها أو ترانى ،  وأن أجعلها  تطرد وحدتى خلال اﻷيام  التسعة عشر القادمة وذلك قبل أن تقضى عليها للأبد فيما بعد.
    أنا مهندس ميكانيكا  ولكننى  لم  أعمل  بتخصصى  فبعد التخرج  كنت آمل أن أنتقى بالضبط التخصص الذى سأعمل به ،  كنت أريد العمل كمهندس تخطيط  حيث يكون العمل فنى بحت وبه حد ضئيل فى التعامل مع العمالة ، فأنا كنت أعرف أننى لا أجيد إدارة الناس  وخاصةً الذين يتكاسلوا ويسوقوا العلل لإرجاء أو عدم تنفيذ ما يطلب منهم ، فبينما أنا أخجل من كشف كذب مثل هؤلاء الناس لكنهم - ولا أعلم كيف - لا يخجلوا من أفعالهم ، وللأسف نسبة هؤلاء الأشخاص تتزايد بصورة متطاردة وأعتقد أنها من الأسباب الرئيسية التى تجعل بلادنا على حالتها الحالية ، فى تصورى أن المرء ينفذ ما يطلب منه كما ينبغى ودون متابعة من أحد ويكون ضميره هو المحكِّم فيما يفعل بينما التسلسل الرقابى والمراجعة مهمتهم تنحصر فى اكتشاف الأخطاء الغير مقصودة والتى لا يخلو منها البشر ، أيضاً كنت أثق فى قدرتى الذهنية على تخطيط أنظمة تسَّهل من سير العمل وزيادة الإنتاج ، لذا كان اختيارى الأول لمجال عملى هو تخطيط الإنتاج ، وبما أننى أكبر إخوتى فإن خبرتى العملية كانت منعدمة فكنت أعتقد حينها أننى سأنتقى الوظيفة كما أنتقى الملابس ،  ولكن بالطبع لم يكن هذا هو الحال  فظللت  لعدة أشهر بدون عمل  حتى تقدمت إلى إحدى الوظائف وكانت مهندس تصميم  بإحدى شركات قطاع اﻷعمال آنذاك حيث وجدت أنها أقرب ما يكون من الوظيفة التى أصبو إليها ، وبعد عدة أشهر من الاختبارات والإجراءات الروتينية التحقت  بالعمل بالشركة ولكن كمبرمج كمبيوتر! ، فبعد أن اكتفت الشركة بعدد من المتقدمين للعمل كمهندسى تصميم قامت بترشيح عدد آخر للعمل بالحاسب الآلى والذى كان فى حاجة إلى دماء جديدة منذ فترة ، ورغم أننا جميعاً كنا مهندسى ميكانيكا إلا أنَّ  إدارة الحاسب الآلى  رأت أنها ستقوم بتدريب المقبولين على ما تريده منهم وذلك لتفادى انتظار إعلان آخر حيث أن الشركة تستغرق وقت طويل للإعلان لطلب عمالة وإجراء الاختبارات وما إلى ذلك ، وكنت وقتها قد اقتربت من إكمال عام كامل بعد التخرج ولم أعمل بعد وكانت مشاكلى مع والدى - رحمَّه الله – قد كثرت فأردت الالتحاق بأى عمل مهما كان ،  ولم تكن الوظيفة كمبرمج كمبيوتر سيئة بالنسبة  لى بل على العكس  فأنا أهوى الكمبيوتر منذ صغرى وكانت لى محاولات برمجة متواضعة منذ سن الثالثة عشر.
    يومها أحسست بالتفاؤل فها هو مجال أحبه  قد فتح أبوابه أمامى فى ظروف غريبة ، وببدء العمل بدأت قصتى مع غرابة الناس فى تعاملاتهم  فهم أحباء فى العلن وأعداء فى الخفاء ، بالطبع لم يكن الجميع كذلك ولكن للأسف كانت الأغلبية كذلك ، وبدرجات متفاوتة من الكره والمكر وأساليب التلاعب فى القول والفعل  كان تعامل الأغلبية فى العمل ، ووجدتنى منزوى عن الجميع فأنا بطبعى انطوائى ولكن مع كل هذا الكم من عدم الصراحة وجدتنى أجلس مكانى طوال ساعات العمل ولا أبرحه إلا لأداء صلاة الظهر ، أيضاً ساعد خجلى فى ألّا أتواصل مع زملائى حتى بالكلام ، وهنا كانت نقطة ضعفى والتى أعتقد أنها مهّدت لما حدث بعد ذلك ، فأنا بالنسبة للأغلبية كنت المهندس المجتهد والمطيع والذى لا يعرف إلا عمله ،  وأيضاً أنا الموظف  ضعيف الشخصية والذى لا يقدر على  رد طلب أى أحد والطيب  لدرجة السذاجة  ولا يدرك حتى كيف تدار الأمور من حوله ،  وللأسف أنا لم أكن الشخص الذى تخيلوه  فأنا أدرك كل ما يحدث حولى ولكنى لا أتدخل ،  وأنا أيضاً أتقبل بعض الأشياء التى تطلب منى  وأنا مستاء ولكنى لا أظهر ذلك ، ومع مرور الوقت كانت الضغوط تزداد وأنا أتحملها ولا أتذمر ولكننى كنت أعانى ، وكى لا أطيل عليك فقد وصلت إلى نقطة عدم الرجوع كما يقولون وتركت العمل بعد أكثر من عامين ، تركت العمل بعد أن قررت أننى لا أصلح أبداً  للوظيفة بصورتها المعهودة ،  وكانت أحلام العمل بالمراسلة تراودنى حينها فقد كنت اتجهت منذ فترة إلى تعلم برامج التصميم ثلاثى الأبعاد وبدأت مراسلة الشركات بالخارج ، فتركت الوظيفة بمشاكلها على أمل العمل من بُعد حيث يكون مجهودى فى العمل فقط وليس فى المشاكل الجانبية التى يمتلىء بها محيط العمل التقليدى.
    ومر الوقت ولم أتمكن من تحقيق ما تمنيته لأبدأ بعدها البحث عن وظيفة مرة أخرى ، كنت أبحث عن عمل وأنا لا أرغب فعلياً فى أن اُقبل ، فتارة أبحث عن عمل كمهندس وأرفض أن أبدأ كمهندس حديث التخرج  رغم أننى بالفعل لا أمتلك الخبرة العملية ، وتارة أبحث عن العمل كمبرمج ولكننى ذا خبرة فى أحد الأنظمة القديمة والتى لم يعد يستخدمها أحد ، وتارة أخرى أبحث عن العمل كمصمم رسومات ثلاثية الأبعاد والتى كانت قد استحوذت على اهتمامى بالكامل ولكننى لم أكن قد اكتسبت خبرة عملية بها ، واستمر هذا الحال لفترة حتى أصبحت أتقدم للعمل فقط فى النوع الأخير من الوظائف وظللت أحاول  تحسين أدائى  فى البرامج المختصة بهذا المجال ،  ولكنى أيضاً ومع مرور الوقت  أخذت  فى التباطؤ  فى التقدم  للوظائف المعلن عنها ،  ومرت  سنتان ونصف على هذا الحال حتى نفذت كل مدخراتى فاضطررت لقبول أى شىء وبالفعل وجدت وظيفة بسيطة فى إحدى الشركات الخاصة والتحقت للعمل بها.
Post a Comment