Monday, April 3, 2017

تسعة عشر يوما (اليوم الثانى)(يوسف محمد)

  • لقد قمت اليوم بزيارة أحد أصدقائى ومكثت معه طوال اليوم ، وأكتب إليك الآن بعد أن عدت إلى المنزل حوالى الساعة الحادية عشرة مساءا ، عندما أقابل صديقى هذا فدائماً ما أجد السعادة ،  وطوال فترة صداقتنا ولمدة  تتجاوز الستة عشر عاماً  منذ سنوات الجامعة  الأولى  لم  نفترق إلا وكانت الابتسامة على  وجهى ،  إنَّ تطابق الطباع أو تقاربها لحد كبير عنصر هام فى تواصل الأصدقاء معاً بصورة جيدة ، وهذا هو حالى مع أصدقائى ، ولكن هذا الصديق على وجه الخصوص يتميز بأنه تجمعنا سوياً هواية مشتركة وهى فنون القتال بأنواعها.
    إننى شديد الولع بفنون القتال منذ صغرى وقد احتلت جانب كبير من اهتمامى وتفكيرى حتى أنها كانت فى فترات طويلة من حياتى هى الهدف والمراد ،  وفى  مراحل  من حياتى كنت أحلم أن أسافر إلى الصين لأدرس تلك الفنون عن قرب ولسنوات طويلة ، وفى فترة مراهقتى لم أكن أبحث عن حب لفتاة أو اهتمام بالجنس الآخر بل كانت فنون القتال هى شغلى الشاغل ، وأحياناً كثيرة تضرعت إلى الله أن يجعلنى أحد الأساتذة فى تلك الفنون ،  فلم تكن  رغبتى  تقف عند اتقانى لأداء  بعض الفنيات  بل  كنت أريد الاستغراق الكامل فى هذا العالم الساحر ، واستمر اهتمامى يتزايد بمرور الوقت حتى أنه كان ينازع رغبتى بأن أصبح مهندس ، ولولا أنه لم تكن هناك دراسة خاصة بهذه الفنون لكنت بلا شك متخصصاً بها.
    طوال حياتى تعرفت على هواة كثيرين لتلك الرياضات ولكنى لم أصادف أحد يحب تلك الفنون مثلى حتى  قابلت صديقى هذا ،  كان أول إنسان أقابله  يحمل نفس درجة شغفى بتلك الفنون ،  وهنا كانت  بداية صداقتنا فقد  كنا فى نفس الكلية ولكننا كنا فى تخصصين وسنتين مختلفتين ، لكن لولعنا الشديد بنفس الشىء كنا نلتقى يومياً لمناقشة أى وكل شىء يختص بفنون القتال ،  ووضح  من لقائاتنا الأولى تقارب الطباع مما عجّل بأن نصبح أصدقاء ، ومنذ ذلك الوقت ولقائنا يشمل مناقشة ولو بسيطة لموضوع أو أكثر خاص  بفنون  القتال  إلى  جانب الموضوعات المعتادة  التى  يتحدث  عنها الأصدقاء مثل الأمور الحياتية من دراسة وعمل ودين وانطباعات شخصية وأفكار قد تطرأ على أحدنا ، ولكن يظل الجزء الخاص بفنون القتال هو الجزء الأكثر تميزاً فى حديثنا حيث أشعر بأننى مسافر فى عالم خيالى أحبه بشدة.
    ربما شعورى بالسعادة والذى يظل ملازمنى لفترة بعد ترك صديقى يكون بسبب تلك الرحلة التى أقوم بها لهذا العالم الذى أفتقده ، ربما إشباعى لحنينى لتلك الرياضة التى حرمت منها نفسى  منذ  فترة طويلة يكون هو السبب ،  فأثناء  بحثى عن النجاح فى العمل وبناء مستقبلى تناسيت أشياء  كثيرة كانت قريبة من قلبى  وكانت تكفى لمنحى السعادة لفترات طويلة ، وربما يكون هذا عامل من العوامل التى أوصلتنى لما أنا فيه الآن ، فقد تركت أشياء أحبها من أجل أشياء لم أتمكن من الحصول عليها ، وأحياناً كثيرة أفكر فى العودة  لممارسة  تلك الرياضة التى أعشقها ،  ولكن لا يستمر تدربى ليومين أو ثلاثة لأجدنى بعد ذلك وأنا أسخر من نفسى حيث كيف أننى عاطل وأريد أن ألعب !؟ ورغم أن وزنى قد ازداد بصورة كبيرة وأصبحت الرياضة ضرورة وليست رفاهية ، إلا أنَّ دورة الكآبة التى تحاصرنى لا تمكنى من المواظبة على عمل أى شىء سواء كان تحسين مهارة خاصة للعمل أو حتى ممارسة الرياضة من أجل الحفاظ على الصحة العامة.
    عندما سافرت منذ خمسة سنوات إلى إحدى الدول العربية للبحث عن عمل ، وأثناء مكوثى هناك  لمدة  شهرين عدت  بعدها خالى الوفاض أثناء  تلك الفترة وجدت أننى بسهولة مطلقة تمكنت من اتباع نظام غذائى ومارست الرياضة يومياً حتى أننى فقدت فى هذين الشهرين خمسة عشر كيلو جرام من وزنى الزائد ، ورغم أننى كنت فى حالة غير مستقرة حيث لم أجد عمل إلا إننى عدت إلى مصر وأنا غير حزين بل وكلى آمال ، عدت وأنا مقتنع بأنه لم يكن مقدر لى العمل هناك وأنه قد اقترب موعدى مع النجاح هنا فى مصر.
    وقتها كنت أظن أن روحى الإيجابية آنذاك كانت بسبب الإيمان ، ولكن لماذا انصرف عنى الإيمان هنا !؟ بعدها بفترة أدركت أن تغيير المكان وتغيير العادات السيئة مثل عدم انتظام النوم والإفراط فى الطعام وأيضاً عدم ممارسة الرياضة كانوا هم السبب الرئيسى  فى حالتى النفسية الإيجابية وقتها  وليس الإيمان ،  ولكن  للأسف الشديد لم أستطع حتى الآن أن أتخلص من تلك العادات السيئة ، وقد ساعد فى ذلك العديد من الأحداث المؤلمة التى مرت بى منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا ، حيث كنت أستجمع جزء منى بعد فترة من حدوث واقعة ما وإذ بى أتلقى واقعة أخرى ، وأصبح الفارق يزداد  بين ما يتهدم  بداخلى  وبين ما أستطيع  ترميمه حتى  وصلت إلى حالى هذا ، فأصبحت منهار تماماً ولا أقدر على ترميم ولو جزء بسيط.
    أستميحك عذراً أننى  لن أتطرق اليوم  إلى أى من هذه الأحداث ،  فأنا أريد أن أكمل يومى هذا وأنا محتفظ بشعورى بالسعادة والذى أفتقده غالباً ،  أتمنى من كل قلبى أن نلتقى قريباً لننسى معاً كل سىء مر بنا ، ولنتذكر فقط أحلى ما فى حياتنا ، أتمنى أن تكون حياتنا مثل عقد من زهور الفل حيث تصل الأيام بين الأحداث السعيدة كما يصل الخيط بين زهرات الفل ،  وياليتك  ترتدين هذا العقد لتزينيه  بجمالك وتُزيديه إشراقاً بنور وجهك وتضيفى إلى عطره من عبيرك ، إننى لا أريد أن أنهى حديثنا ولكنى لا أستطيع الإكمال فإن شوقى للقائك يزداد مع كل حرف أسطره ، أتمنى أن تبتعد عنك الذكريات السيئة ولتسكن عقلك وروحك الذكريات السعيدة فقط ، وذلك إلى أن نبدأ نسج ذكرياتنا الجميلة معاً والتى ستبقى معنا إن شاء الله طوال العمر.
     يوسف محمد

Post a Comment