Friday, February 17, 2017

يد العون (يوسف محمد)



  • اثناء سيره ليلاً بصحبة صديقين له وبعد أن مل من حديثهما فبدأ يتابع المارة فى الشوارع ويلفت نظره انتشار المشردين فى الشوارع ويتأثر بسيرهم حفاة وبملابس ممزقة رغم شدة البرودة ، بل ويصدم عندما يجد فتاة لا يتجاوز عمرها العشرين من هؤلاء المشردين .. كانت دقيقة الملامح وجميلة بدرجة لافتة للنظر رغم القذارة التى تغطى اغلب وجهها وملابسها .. لم يكن يحتاج لأكثر من نظرة ليدرك أنها مريضة بمرض نفسى أو باختلال عقلى .. تأثر بشدة لحالها فأصبح يذهب يومياً إلى نفس المكان ليتابعها وفى كل مرة يراها فيها يظل يفكر كيف اصبحت بهذه الحالة ؟ وكيف يمكنه أن يساعدها ؟
  • فى احدى المرات يقدم لها قطعةمن ساندويتش لم يتمكن من اكماله ، ومن وقتها تبدأ الفتاة فى التقرب منه كلما تراه وبدوره يعطيها أى شىء مما معه .. مرة قطعة شيكولاتة ومرة ساندويتش ومرة علبة عصير وهكذا اصبحت الفتاة تنتظره كل يوم حتى انها تغضب عندما لا يظهر لمدة يوم أو اثنين وتعاتبه بعدها حين تلتقيه فى اليوم التالى .. كانت تعاتبه بكلام غير مفهوم .. حيث انها تتكلم بمقاطع صغيرة غير مكتملة مثل الاطفال فى بداية تعلمهم للكلام ولكنها ايضاً تنطق بسرعة بحيث لا يمكن فهم اى جملة مما تقول ، ولكنه ومع الوقت اصبح يفهم بعض كلامها بالاستعانة بالتركيز على تعبيرات يديها ووجها ، وكانت ملامحها الرقيقة تتسبب كثيراً فى توقفه عن ترجمة كلامها حيث يتخيلها وقد ازيلت طبقة القذارة من عليها بل اصبحت عاقلة فما يلبث أن يبتسم حتى تيقظه هى بالخبطات الدقيقة على ذراعه لتلفت نظره لما تقول.
  • فى احدى الايام يتشاجر مع زوجته كالعادة ويترك المنزل مستشيطاً غضباً حيث لم يقدر حتى على الرد عليها حيث أن كل ما قالته زوجته بل كل ما عايرته به هو صحيح تماماً .. فهو موظف بسيط من اسرة فقيرة وهى بوظيفة مرموقة ومن اسرة ميسورة الحال وقد تنازلت كثيراً وتحملت غضب أهلها لتتزوجه وقد حاولت كثيراً دفعه للأمام سواء عن طريق الدعم المادى أو المعنوى ولكنه لم يحقق المرجو منه ، كانت دائما ما تقدم له يد العون ، نعم هذا صحيح ولكن كان هذا منذ أكثر من ثلاث سنوات .. فهى الآن ومنذ فترة طويلة لا تتحدث معه فى أى موضوع الا وينتهى بمشادة بعد عدة همزات ولمزات منها لتؤكد على فشله وبالفارق الكبير بينهما فى كل شىء .. انها لم تعد تلك الانسانة المساندة له بل اصبحت الوحش الذى ينهش من لحمه ويمزق روحه بكلامها الأكثر أذى من انياب اشد الوحوش ضراوة .. لماذا لا يتركها ؟ سؤال يسأله لنفسه كل يوم اكثر من مائة مرة ، هل مازال يحبها ؟ هل اعتاد على مستوى المعيشة التى توفره له هى و أهلها ولا يستطيع الرجوع لحياة الفقر ؟ ام أنه ربما أصبح يستمتع بإذلالها له ؟ احتمالات الاجابة الصحيحة كثيرة ولكنه متأكد من شىء واحد أنه لا يستطيع التوقف عن الشىء الوحيد الذى يجعله يحس أنه رجل .. بل وسيدها ايضاً .. انه معاشرته لها بقسوة وأنينها من جراء ما يفعل بها .. وقتها فقط يشعر بالدماء تتدفق فى كل اطرافه وبالنشاط يملؤ كل عضلاته وبروحه تعلو فوق روحها والتى يراها حينها وكأنها تتشبث بقدمه وهى تزحف على الأرض لتنظر اليه متوسلة أن يرحمها من عذابها .. فجأة تقطع افكاره خبطات دقيقة على ذراعه فيلتف بعنف ليضرب هذا الشخص ايما كان .. ولكنه يجد أنها تلك الفتاة المجنونة .. فيتوقف عن اللكمة قبل أن تصيبها بعدة سنتيمترات ، لم يبدو على الفتاة أى مظهر من مظاهر الانزعاج من جراء حركته الفجائية والعنيفة بل ظلت مبتسمة وعلى حالتها من الهدوء التى اصبحت تلازمها مؤخراً كلما رأته .. لم يرد أن يحتك بأى أحد فى هذا الوقت بالذات فهو على وشك الانفجار سواء بالتعدى بالضرب على من أمامه أو ربما بالانخراط فى البكاء .. لذا فقد تركها وأكمل سيره ليختلى بشيطانه من جديد ويكملا سوياً مراجعة ذكريات جهنم التى يعيشها على الأرض وكيف يقلل أو يزيد من سعيرها ؟ وإن كان اصبح يفضل أن تزداد وتزداد حتى تلتهم ما تبقى من روحه ليصبح بعدها لا يخاف من أو على أى شىء .. استوقفته الفتاة مرة أخرى ولكن تلك المرة تشبثت بذراعه بكلتا يديها ، التفت اليها تلك المرة ولكن بابتسامة .. ابتسامة جديدة تماماً عليه .. ابتسامة لم يقم بها من قبل فلقد تولى شيطانه القيادة وسيطر على كل حواسه حتى أنه أحس بلهيب الشيطان بداخل كل ذرة من جسده .. كانت الفتاة المسكينة لازالت تبتسم ابتسامتها البريئة .. ثم اخرجت من ثنايا ملابسها قطعة حلوى ومدت يدها لتعطيها اليه .. توقف للحظات وهو ينظر اليها ثم امسك بساعدها الممدود اليه وبدأ فى جعل يده تنزلق ببطء فى اتجاه يدها ليمسك بها ويقرب اصابعها من فمه ليلتقط قطعة الحلوى بأسنانه وابتسامته تزداد قسوة .. فتبدأ الفتاة فى التراجع وتحاول سحب يدها ولكنها لا تستطيع الافلات من مسكته القوية فترتسم علامات الانزعاج على ملامح وجهها الرقيق .. ينزل يدها ببطء ولكنه مازال يقربها منه وتنحنى الفتاة للأمام وهى ترمى بثقل جسمها للوراء وتبدأ فى البكاء .. يقترب منها مسرعاً ويترك يدها ثم يربت على كتفها ليطمئنها ويتلفت حوله ليطمئن لعدم رؤية أحد له .. كانت الفتاة قد انخرطت فى البكاء فى تلك الثوان المعدودة ولكن ما أن بدأ يهدىء من روعها ويداعبها حتى تجاوبت معه وضحكت قبل أن تجف دموعها تماماً مثل الأطفال .. لم يرد أن يضيع دقيقة أخرى فأشار اليها لتسير وراءه .. كان يعرف ماذا سيفعل .. سيتجه الى احدى المبانى المهجورة القريبة ويفعل معها الشىء الوحيد المتبقى ليفعله كرجل .. وصلا المبنى وأشار اليها بالدخول وترددت قليلاً ولكنها تبعته بعد أن ابتسم ليطمئنها .. ما ان توارا عن الأنظار بداخل المبنى حتى جذبها بشدة وبدأ فى العمل .. ارتجفت الفتاة وحاولت الافلات ولكنه يعرف تماماً ما يفعله فلا تستطيع فتاة بحجمها الضئيل الفرار من انيابه .. تيبست اطرافها واجهشت بالبكاء بهستيرية .. لم يتوقف لبكائها أو لاصطدامه بما يثبت أنها مازالت فتاة لم تنضم بعد لعالم السيدات .. لم يتوقف للحظة ولو للاطمئنان عليها حيث كانت تعانى آثار انها المرة الأولى بل كان يزيد من معدله وينتقل مابين الحركات والافعال التى تجهد حتى المتمرسة فى هذا المجال .. كانت معاناتها تتصاعد من ثانية إلى اخرى من جراء قسوة ما يفعله بها .. انتهى من مهمته وتركها وهى جثة مدمرة الروح قبل الجسد.
  • مرت الأيام وكلما رأته الفتاة تتوقف عن الحركة وتدمع عيناها وهى ترتجف خوفا من أن يقترب منها .. فيوارى احياناً وجهه منها ويسير بسرعة ليبتعد عنها ، واحيان اخرى يرمقها بنظرة جافة وابتسامة سخرية ويواصل سيره بخطوات باردة كأن شيئاً لم يحدث.
  • اليوم زوجته العزيزة أعادت اليه مفاتيح السيارة التى كان يستخدمها .. فقد قررت مصالحته بعد مشادة حادة ربما كانت الأسوأ منذ زواجهما .. أرادت تعويضه عن الكم الهائل من السباب الذى وجهته اليه وايضاً تقديرا منها لعدم رده عليها بالمثل ، وفى أول استخدام للسيارة منذ فترة طويلة أخذ يجوب المدينةليلاً وهو يسير بسرعة مخترقا الشارع بعد الاخر ولا يعرف أين يذهب وكيف يهرب من السعير المتأجج بداخله ؟ لم يعد يحتمل الحياة على هذا المنوال ولا يعرف ماذا يفعل ؟ يتوقف بالسيارة فقد اختنق تماماً حتى أنه لم يعد قادراً على القيادة .. احتبست الدموع فى عينيه وقبل أن يبدأ فى البكاء فجأة يجد الحل ..فيعتدل فى جلسته وقد تسمرت ملامح وجهه واتسعت عيناه لتختفى الدموع ويحل بدلاً منها ابتسامة على وجهه .. يدير السيارة وينطلق بها ليتجه إلى منطقة نائية بعيدة عن مسكنه ليبحث عن فتاة مسكينة أخرى ليقدم لها .. يد العون.
  •  يوسف محمد

Post a Comment