Thursday, March 23, 2017

عودة الحب (يوسف محمد)

  • يصل سالم الى مطار فرانكفورت الدولى مستقلا سيارته وبعدما ركنها فى موقف السيارات أخذ رخصتى السيارة والقيادة الخاصة به وقام بمسح بصماته من على كل مكان قد يكون لمسه ، فهو لا يريد اى اثر له ، ورغم ان السيارة سوف تنفجر بعد ساعتين من الآن لكنه يريد التأكد من عدم بقاء اى اثر له ييسر من عمل الشرطة ، انه لا يخشى ان يتم التعرف عليه فهو فى الطريق الى رحلة ذهاب فقط والى مكان لا يستطيع اى انسان الوصول اليه الا الموتى منهم.
  • يدخل سالم صالة الانتظار قبل ميعاد اقلاع طائرته بساعة ويقوم بالاجراءات الروتينية المتبعة ، ويستقل الطائرة والتى تتجه الى لندن ليجلس فى المقعد المخصص له بجوار النافذة ويرجع رأسه الى الخلف ويغلق عينيه ليبدأ فى التفكير فى المرحلة المقبلة.
  • ان من المخطط له ان يتم اختطاف الطائرة قبل الوصول الى مطار لندن بفترة تكفى ليقوم سالم وثلاثة من اعوانه - او اخوانه فى الجهاد كما يحلوا لهم ان يطلقوا على انفسهم - بتعديل مسار الطائرة ليجعلوها ترتطم بمبنى مجلس العموم البريطانى اثناء اجتماعهم الدورى ، لا يعتبر لهذا المجلس اهمية خاصة ولكن الغرض من ذلك كما قيل له هو صيحة احتجاج ضد من يسموا انفسهم دعاة الديمقراطية وهم فى الاصل عبارة عن مجموعة من الممثلين الذين يقوموا بالتظاهر بالاختلاف رغم انهم يتفقوا جميعا على النيل من الاسلام والقضاء عليه عن طريق مساعدة - مدعية رعاية السلام الاكبر فى العالم - الولايات المتحدة الامريكية.
  • يبتسم سالم وهو يتخيل وقع هذا العمل على الناس فى اوروبا وامريكا ، ويشعر بالزهو جراء ذلك ، ولكن يحدث شىء يجعل الابتسامة تتحول الى وجوم ، انها احدى المسافرات التى تتجه لتجلس على المقعد المخصص لها ، لم يكن قد رآها حتى الآن ولكن صوتها وهى تسأل عن مقعدها كان كافيا لأن يعرفها ففتح عينيه ليتأكد من انها سلمى وفعلا لم تخطئها اذنه ، وكيف تخطىء صوت الفتاة الوحيدة التى احبها؟ لم يقطع وجومه الا تذكره انه لا يريد ان تراه فأدار وجهه بسرعة الى النافذة والى الاسفل ، ولم تلاحظ هى شيئا واستمرت فى السير حيث جلست فى المقعدين الواقعين خلفه وبجانبها طفل فى الخامسة من عمره يبدوا انه ابنها.
  • تركزت كل حواسه فى السمع واتجهت اذنه اليها كى يحاول ان يشعر بكل حركة من حركاتها ، فها هى تجلس وتلتفت لتجلس الطفل خلفه والذى تأكد انه ابنها من كلامهما ، يشعر بقدم الطفل وهو يداعب بقدميه المقعد ويتضايق سالم لأن هذا الضجيج يمنعه من متابعة حركة سلمى والاحساس بها ، ويظهر صوتها ثانيا لتنهر ابنها عن فعلته ، ويجد سالم نفسه تبتسم بدون ان يدرى لمجرد سماعه لصوت سلمى ، وتعود لتنقلب الابتسامة من جديد الى وجوم حيث ترهبه فكرة ان تتعرف عليه فيميل بجسمه الى الامام ويلتفت بوجهه الى النافذة فيرى انعكاس صورته فى الزجاج ويمعن النظر فى عينيه ليجد نفسه يغوص فى اعماق الماضى البعيد القريب.
  • كان لا يزال طالب فى السنة الثالثة بكلية الهندسة بجامعة القاهرة ، لم يكن قد اكمل عامه العشرين وكان كل شىء يسير فى اتجاهه الصحيح وكما اراد دوما ، لم تكن مشاكل الحياة تتجاوز صعوبة الدراسة والتى اعتادها بمرور الوقت ، كانت احلام المستقبل الزاهر ملازمة له ليل نهار ، فالعمل الحر وانشاء مصنعه الخاص وابتكاره لعدة اشياء تطور من صناعة بلاده بل وصناعة العالم اجمع كلها افكار كانت تسيطر عليه وكانت لا تشعره بالوحدة التى من المفترض ان يشعر بها من فى مثل ظروفه ، فهو يتيم الاب منذ سن الثلاثة سنوات ، ووحيد امه التى بذلت حياتها من اجل نجاحه واسعاده ، ولايرتبط بصداقة بأى شخص ، فالجيران جيران فقط ، وزملاء الدراسة زملاء فقط ، اما الاقارب فلم يقابلهم ابدا ، كان يكفيه حب الام ولم يكن يستمتع بالحديث الا معها ، وفى انتظار المستقبل الباهر دق قلبه لأول مرة بدقات لم يشعر بها من قبل انها دقات الحب تطرق بابه ، انها سلمى ، لقد كانت طالبة فى السنة الاولى وكانت تتحسس طريقها بين الطلبة ، لم يعرف كم من الاسباب جذبته اليها فقد كان كل ما فيها وكل ما ليس فيها يجذبه اليها ، كانت تشع براءة وطهر ، كانت رقتها تكاد ان تفتك بها ، كان الخجل يقيد كل حركاتها ، كان عدم استخدامها للمكياج يزينها كأميرة وسط الطالبات الاخريات ، كانت عيناها تخطف النظر ، كانت تشعره بالدفء وهى تحتضن كتبها ، كانت خطواتها القصيرة المترددة تهزه من الداخل ، كانت .. ، افاق من ذكرياته على صوت قائد الطائرة يطلب من الركاب ربط الاحزمة استعدادأ لانطلاق الطائرة ، لم يكترث سالم بمن جلس بجانبه وقام بربط حزامه سريعا ليعاود الغوص فى اعماق ذكرياته.
  • وجد نفسه يعود بالذاكرة الى اليوم الذى صارحها فيه بحبه فبعد اكثر من عام من رؤيتها لأول مرة وبعد مراحل التقرب المختلفة التى قام بها نحوها وبعد زمالة تحولت لصداقة واتته الشجاعة اخيرا ليعبر لها عن شعوره الحقيقى خاصة بعد ان احس انها تبادله نفس الشعور ، ابتسمت ابتسامتها المعهودة والممزوجة بالخجل والرقة معا ، لم تشعره ابتسامتها بسريان السعادة فى اعماقه فقط كما تفعل دائما ولكنه فى تلك المرة ولمعرفته بمعنى الابتسامة بمبادلته الشعور وجد صدره يتسع وكأنه يصعد إلى السماء ليلامس السحاب ، افاق ليجد السحاب امامه من خلال نافذة الطائرة ، ولكن صدره منقبض كمن يحمل هموم العالم اجمع.
  • اراد ان يلتفت للخلف ليراها ولو لثانية واحدة ولكن كيف ينظر اليها وبعدها بقليل يقوم بقتلها ، قتلها .. لم يشعر بوقع هذه الكلمة من قبل بمثل هذه القسوة ، نعم هذه الحقيقة فتدمير الطائرة سيقوم بالقضاء على كل من بالطائرة بما فيها هو نفسه ، ولكنه وزملاءه شهداء وباقى الركاب كل حسب عمله فأجلهم قد حان وحسابهم عند ربهم هو اعلم بهم ، لأول مرة تبدوا تلك الافكار ضعيفة بل ومريبة ، هل الانسان فعلا ممكن ان يحدد موت مئات من البشر ويكون بريئا منهم؟ هل طريق الشهادة يمر بقتل الكثير من الابرياء؟ هل الغرض من العملية يستحق ازهاق هذا العدد من الارواح؟ اصطدمت الاسئلة بسؤال مختلف تماما ، هل هو حقا تعاطف فجأة مع الابرياء ام ان حبه الوحيد سيطر على افكاره؟.
يوسف محمد
Post a Comment