Wednesday, April 5, 2017

تسعة عشر يوما (اليوم الرابع)(يوسف محمد)

  • اليوم والحمد لله استيقظت معتدل المزاج فلست متفائل أو متشائم ، حتى إننى لا أفكر فى الماضى أو المستقبل إنما مستوعب للحظة التى أعيشها الآن ، فى مثل هذه الأوقات أجد نفسى تميل إلى الحديث عن أفكارى ومعتقداتى.
    منذ طفولتى .. وأنا أميل إلى ملاحظة تصرفات الناس  ومن ثم تحليل شخصياتهم أو استنتاج سلوك بشرى ما ،  أثناء الطفولة كنت أصارح الناس بأفكارى  وأناقشهم فى تصرفاتهم  مباشرةً ووجهاً لوجه ،  ولكنى مع مرور الوقت أدركت أنَّ هذا التصرف يغضب الأغلبية العظمى ،  بل ربما لا يوجد من لا تغضبه  تلك الطريقة  وإن كانت تتباين ردود أفعالهم ، فالناس غالباً ما تعتبر هذا التصرف هجوم مباشر على شخصها.
    إننى لم أكن أتصيد عيوب الناس بل  كنت أحاول التعرف على النفس البشرية ،  فإذا أغلق الشخص عينه بسرعة عندما يقترب منها شىء ما فإننى أراها درجة من الخوف وليست حركة لا إرادية ، وعندما نتابع درجات انبساطات وانقباضات وجه شخص ما أثناء الحديث معه عن عدة أشخاص آخرين فإنه يمكننا أن نخلص إلى درجات تقديره أو بغضه لكل شخص منهم ،  فأنا ممن يؤمنون بأن الوجه مرآة الشخص وأن العين نافذة على الروح.
    فى وقتنا هذا يتفنن الناس فى إظهار خلاف حقيقتهم ، ولكن بقليل من الهدوء والحيادية عند النظر إلى أى فرد تجد أن أغلبية الأقنعة تتساقط الواحد تلو الآخر ، وطبعاً بمزيد من الوقت  والتعامل  تجد أن الشخص  يصبح  عارياً تماماً  أمامك ، وتظهر جوانب شخصيته الحقيقية بأكملها.
    إننى أسعد بشدة عندما أصادف هذا النوع النادر من الأشخاص والذى كلما اقتربت منه تتكشف مميزات أخرى فى شخصه بدلاً من أن تظهر عيوب ،  وغالباً  ما يكون هذا الشخص بسيط فى التعامل بل ويخجل من إظهار جوانبه الحسنة.
    وبتقدمى  فى العمر ازدادت تأملاتى  تلك ،  وازداد معها  إيمانى بها ،  ولكنى  ومن المنطلق الدينى بأن لا نحكم على الشخص إلا بعد سماع دفاعه ،  وأنه يجب التماس الأعذار للآخرين ، وأنه يجب على المرء ألّا ينشغل عن عيوبه بعيوب غيره ، بسبب كل تلك التعاليم  والتى أؤمن  بها تماماً  أصبحت أكتفى  بالملاحظة ،  لم أتوقف عن الاستنتاج ولكنى لا أصدر القرار بل أتركه ليتكون مع المزيد من الوقت والمعاملات.
    إننى لا أميل  فقط إلى التفكُّر فى النفس البشرية ،  ولكنى أميل أيضاً إلى التحليق فى الخيال ،  فأنا شخصية حالمة إلى أقصى الحدود ،  أحب أن أنسج أحداث مختلفة من أحداث قد حدثت بالفعل ،  وأحب أن أنظر إلى  نفس الحدث من  زوايا  مختلفة لأجد نفسى تارة  فى جانب هؤلاء الناس  وتارة فى الجانب المضاد  وأحياناً أجد نفسى فى جانب ثالث مختلف تماماً عن كلا الطرفين.
    تنقلى بين وجهات النظر المتضادة جعل منى صاحب وجهة نظر خاصة جداً فى أغلب الأحوال ، ولا أقصد أنها وجهة نظرة نادرة الوجود ، بل على العكس ربما تكون من وجهات النظر التى  يؤمن بها أغلبية الناس ،  ولكن ما يجعلها خاصة هى أنها كثيرة التفاصيل  ومحددة بدقة ،  فمثلاً عندما  تظل لفترة مشجع لمدرسة كروية معينة فإنك تكوِّن صورة للاعب الكرة الأمثل متأثراً بتلك المدرسة ، ولكن إذا تنقلت بين تشجيع عدة مدارس متباينة  ولفترات مختلفة ستجد أنك قد كونت صورة مختلفة للاعب الأمثل ، ستجد أن تلك الصورة تحمل تفاصيل أكثر بكثير من الصورة الأولى ، وهذا بالضبط ما حدث معى.
    لا أرى أن الإنسان المصرى هو الأفضل ولا العربى ولا الشرقى ولا الغربى ، أرى صورة واضحة للإنسان الأمثل ،  صورة  تحمل الكثير من الصفات  والخصائص ، ولحسن الحظ أنا لم أبحث عن تلك الصفات فى كل تلك الشعوب ولكنها موجودة بالفعل أمام أعين كل مسلم ، إنها بالطبع شخصية رسول الله إلى البشرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
    لقد أردت أن أذكر مثال  الإنسان الأمثل على  وجه الخصوص لأوضح أننى لا أسعى إلى إعادة اختراع العجلة كما يقولون ، فالثوابت نقاط مضيئة فى الحياة يجب أن يهتدى بها الإنسان ،  أنا فقط أجتهد لمحاولة سبر أغوار النفس البشرية  وتكوين  رأى  دقيق وفاصل فى الأمور التى أمر بها أو ألاحظها عن بُعد ، وذلك جعل منى أبدو كشخص صعب المراس ،  فغالباً  ما أختلف مع من حولى ولا يكون الاختلاف  فى الموضوع الرئيسى ولكنه يكون فى تفصيلة دقيقة ، حيث يكون لدى تصور كامل لتلك التفصيلة بينما الآخر وبمنتهى التلقائية يكون لديه تصور مختلف بسبب خلفيته الثقافية أو التراثية ، يكون لديه هذا التصور بدون حتى أن يجهد نفسه قليلاً ويفكر فى الأمر ، وأنا على يقين بأننى لا آتى بجديد أو بشىء صعب الوصول إليه بل على العكس فكل ما يستغرقه الأمر هو أن يفكر الآخر بحيادية ليجد نفسه وقد ألمَّ بتلك التفصيلة أكثر منى.
    ربما حساسيتى الشديدة أثرت على فكرى لتجعله أيضاً شديد الحساسية ،  فرغم  أننى ضعيف  الملاحظة  بطبعى  إلا  إننى  فيما  يختص  بالتعامل مع الناس أجدنى دقيق الملاحظة بدرجة تزعجنى أحياناً كثيرة ، فالاختلاف الدقيق فى نبرة صوت مَن أمامى يوصلنى تماماً إلى ما يفكر به حتى وإن كان لا يرغب فى إظهاره ، والنظرة والإيماءة ووضعية جسمه وتركيبته للجملة التى لم يكن قد أكملها بعد ، كل تلك الرسائل تصلنى ويترجمها  عقلى غصباً عنى لأجد نفسى فى أحيان كثيرة  متضايق  مما يفكر به هذا الشخص  ويحاول  إخفاءه ،  وأحياناً كثيرة أتوجه  للنظر فى اتجاه آخر كى أقلل من عملية التحليل تلك والتى تجهد روحى أكثر مما تجهد عقلى.
    إذا كان أغلبية الناس من هذا النوع الذى لا يضمر الشر لأحد والذى يتحدث بما يحسه بالضبط ،  فإن عملية ملاحظة  واختراق مشاعر  وأفكار الشخص الذى أحادثه والتى أقوم بها عن دون قصد تصبح ممتعة للغاية فهى تقربنى حينها من جمال وعذوبة روح إنسان آخر ، ولكن للأسف أغلبية الناس ليست من هذا النوع لذا فغالباً ما أجد نفسى مقترباً من القبح البشرى والذى يطبق على  روحى بصورة كبيرة فأجدنى لا أستطيع متابعة الحديث بل وأحياناً أجدنى أرغب فى مغادرة المكان لأنجو بنفسى من هذا الشر المتأجج عند بعض الناس.
    لا أستوعب معنى الكذب .. فأحياناً يقولوا  أنه بسبب الخوف  وأحياناً من أجل التملق وأوقات  أخرى يصبح جزء من الذكاء الاجتماعى ،  ويتلون الكذب بأنواع كثيرة كما تتلون الحرباء ، ولكن يبدو أننى أعانى من عمى الألوان فلا أستطيع التفريق بين أنواع الكذب ولا أقدر على تفهم دوافع صاحبها أو التماس العذر له ، ولذا أجدنى فى أحيان كثيرة أتوقف عن الكلام عند إدراكى لكذب الآخر ، فأنا لا أفهم لماذا يكذب ؟ والأسوأ من ذلك هو أننى لا أقوى على مواجهته بكذبه فأنا أخجل من أن أضيق عليه وأيضاً لا أريد دفعه لكذبة أخرى ليعلل بها كذبته الأولى.
    ربما يكون عدم إدراك الأطفال لكذب الكبار هو السبب فى براءة الأطفال المعهودة ، والتى تخرج الإنسان من همه عند التعامل معهم ،  ولكننى  أثناء  تعاملى  مع الطفل أجدنى أشرد متسائلاً عما سيصبح عليه بعد ذلك ؟ وكيف ستُقتل براءته شيئاً فشيئا ؟ وحينها أشعر بقسوة الحياة وما تفعله بالإنسان ، فكيف بدأ !؟ وكيف ينتهى !؟
    إنَّ الحب إحساس سامى ومن أجَلّ ما وهبه الله للإنسان ، ولكن إذا لم يتمكن الحب من تطهير صاحبه فإنه يصبح مجرد رغبة أخرى من رغبات الإنسان والتى لا تنتهى ، والرغبات تهوى بصاحبها إلى أدنى مستويات البشرية  وربما إلى قاع الكائنات جمعاء ،  بينما يسمو الحب بصاحبه إلى أعلى درجات النقاء  وربما يمكِّنه من تجاوز مرتبة الملائكة وطهرها ،  ربما تستغربى انتقالى المفاجىء من الكذب إلى الحب ،  ولكننى أعتقد أنهما وثيقا الصلة ،  فإذا اقتحمت  كذبة واحدة  حياة حبيبين .. فإن الحب الذى يجمعهما سيكون قد انهار تماماً ، فبكذب أى من الطرفين على الآخر سيكون قد هدم الحب من جانبه وأنا لا أؤمن بالحب من طرف واحد ، وكيف يتمكن شخص من الكذب على نصفه الأقرب له ؟ إننى لا أستطيع تصور ذلك ولا أقوى على مجرد تخيل ماذا سيحدث بينهما فيما بعد ؟
    إنَّ من أجمل قدرات الحب أنه يجعلك تعرف حبيبك بدرجة أكبر مما يعرف بها نفسه، فإذا كذب أحدهما على الآخر فهذا دليل على أنه موقن بأن حبيبه لا يعرفه كما ينبغى ، وأيضاً لماذا يكذب ؟ أليست هذه خيانة ؟  وماذا يتبقى بين الحبيبين  بعد الخيانة ؟ أمّا بالنسبة للحب من طرف واحد فإننى أطلق عليه العذاب من طرف واحد ،  إنه يحمل فعلاً صفات كثيرة من الحب ولكنه ليس حباً ، فالحب الحقيقى لا يمكن أن يتصدى له أى أحد فكيف يمكن أن يتصدى له المحبوب ؟ الحب يثمر حب لا محالة ، فإذا قدّر لنا أن نتقابل فأنا على يقين أنك ستبادليننى حبى ، بل وسيتزايد حبنا مع الوقت حتى أننا لن نستطيع أن نوقفه عند حد معيَّن ، بل سيظل مدى الحياة وما بعدها وهو يزداد وينمو.
    يوسف محمد

Post a Comment